أحمد بن يحيى العمري

72

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

الممالك شتها ، وتقلد أمورها ، وقلد المنة بولايته أميرها ، وتزيّا بزيّ أرباب الدول ، وأصبح في أصحاب الخول « 1 » ، واقتنى الغلمان الأتراك ، ووقع بالحب في الأشراك ، وكان غلمانه يلبسون الديباج المنسوج بالذهب ، ويشدون مناطق الذهب المرصعة بالجواهر ، ويزهر بهم جلوته ، وتعمر خلوته ، يبيت معهم الليالي في الحمام ، ويبادر بتنعمه بهم صروف الحمام « 2 » ، حتى قال له ملكه : كيف تنهانا عن الإتيان في الحمام ؟ فقال : لأن الملك يحب أن يعيش طويلا ، وأنا أحب أن أعيش طيبا . وكان لا يملك صبرا عن غلمانه ، ولا يشغل إلا بهم فراغ زمانه ، حتى كانوا سبب حمامه ، وجلب سمامه . وكان السبب في فعلتهم ، ومرشدهم في هذا إلى ضلّتهم ، أنهم سرقوا له مالا جليلا ، ثم خافوه ، وسئموا فعله الطويل بهم وعافوه ، فشابوا له درياق « 3 » مثرود يطوس ، كان يستعمله بسمّ أبى إلا أن يقتله ، فتعلّل « 4 » به عامه حتى ساق الأجل إليه حمامه . وكانت الوزارة نقصا عيب به ، وأطلقت الحكماء ألسنتها فيه بسببها ، وقالوا : أذلّ العلم ، ورضي من الفانية بالاستكثار ! . فقال : لي أسوة بأرسطو في صحبة الإسكندر . وفيما قاله نظر ، لأن أرسطو كان معلما للاسكندر ومشيرا ، وابن سينا كان مكلّفا ووزيرا . قال ابن أبي أصيبعة : " هو [ إن كان ] أشهر من أن يذكر ، وفضائله أعظم من أن تسطر ، ونحن نقتصر من وصفه على قدر ما ذكره عن نفسه . ووصفه أبو عبيد الجوزجاني « 5 » صاحبه من أحواله والذي ذكره هو قال : كان أبي رجلا من أهل

--> ( 1 ) : قال في القاموس : الخول : ما أعطاك الله من النعم والعبيد والإماء ، وغيرهم من الحاشية ، ويقال للواحد خائل " القاموس مادة خول " . ( 2 ) : الحمام - بكسر الحاء - الموت . ( 3 ) : الدرياق : بالكسر ، ويفتح ، الترياق ، رومي معرّب ، والخمر كالدرياقة . " قصد السبيل 2 / 25 " . ( 4 ) : أي : أصابته العلة القاتلة التي كانت سبب حتفه . ( 5 ) : عبد الواحد الجوزجاني أبو عبيد كان حيا قبل 428 هجرية . له سيرة الشيخ الرئيس وفهرست